انطلاقًا من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل.
هذا الدستور امتداد لمسيرة التحرر من احتلال طال أمده، سلب حرية شعب يحب الحياة ويستحقها، شعب يرفض مشروع الاحتلال الاستيطاني، ويؤمن بأن الكلمة فعل، وأن الفعل طريق الكرامة والسيادة. نكتبه ليكون أداة من أدوات التحرر، وجسرًا بين واقع محاصر وإرادة منفتحة على الحرية والمسؤولية، مؤكدين الانتقال الذي تمر به دولة فلسطين من سلطة مؤقتة تسعى للتخلص من الاحتلال إلى دولة ديمقراطية راسخة في إنسانها وكرامته، تكرّس نهجًا لمسار وممارسة ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع.
يستند هذا الدستور إلى فلسفة وروح وثيقة إعلان الاستقلال التي أقرتها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الدورة 19 في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1988، ويحترم قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادئ القانونِ الدولي، ومبادئ حقوق الإنسان، ليجعل من العدالة بوصلته، ومن الكرامة غايته، ومن المشاركة طريقه إلى المستقبل.
يأتي هذا الدستور مستندًا إلى نضال فلسطيني ممتد لم يعرف اليأس، وإلى إرادة دبلوماسية وميدانية سعت عبر العقود لنيل الاعتراف الدولي. كما يأتي في مرحلة دقيقة يمر بها شعبنا في الوطن، وتتسع فيها سياسات التضييق والتهجير في القدس الشرقية، وتتعمق ممارسات الاستيطان والضم في الضفة الغربية والإبادة الجماعية، فيما ظل حلم العودة حيًّا في قلوب الفلسطينيين والفلسطينيات جيلًا بعد جيل. إنّه وثيقة سياسية وقانونية وشهادة ميلاد متجدّدة لوطن لم يفقد إيمانه بأحقية إقامة دولته.
لقد ولد هذا الدستور بإرادة فلسطينية حرة، وبقرار وطني من خلال لجنة مكلفة بصياغته انفتحت منذ لحظات عملها الأولى على الحوار الشعبي الواسع، واستمعت إلى الفلسطينيات والفلسطينيين في الوطن والشتات، في المخيمات والقرى والمدن، من الجيل الذي عاش النكبة إلى الجيل الذي يصوغ المستقبل.
واستُخدمت الوسائل التكنولوجية الحديثة لتقريب المسافات بين الوطن والشتات، ليصبح هذا النص ثمرة مشاركة وطنية حقيقية تؤكد أن الشعب هو صاحب القرار، ومصدر الشرعية والسلطات، وأن هذا الدستور تجديد للعقد الاجتماعي بين المواطنات والمواطنين والدولة التي تُرسَم ملامحها في المرحلة القادمة.
جاء هذا الدستور معتزًا بالهوية الفلسطينية التي تستمد معناها من تفاعل الإنسان مع الأرض وصناعة التاريخ، ومن التجربة الطويلة بين الوجود والمقاومة والسلام، ومن الأمهات اللواتي أنجبن الأمل، والآباء الذين حرسوا الفكرة بالموقف والعمل، ومن التحول من الحنين إلى الفعل.هي هوية قيم وحياة وثقافة تحترم فيها الأديان والتعددية الثقافية والسياسية.
ففلسطين، موطن الديانات السماوية، مهد المسيح عليه السلام ومسرى الرسول محمد ﷺ، هي أرض الأنبياء وملتقى الأديان ومهد الحضارات. ومن قداستها يستمد هذا الدستور معناه وبعده الإنساني، فالتنوع فيها قاعدة، والتسامح أسلوب حياة، والعدل والسلام توأمان لا يفترقان.
يؤكد هذا الدستور أنَّ الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطة والشرعية، وأنّ سيادة القانون هي الضمانة الأولى للحرية، وأنّ الدستور هو القانون الأعلى المؤسس لنظام ديمقراطي يقوم على الانتخابات الحرة والنزيهة، والحكم الرشيد، وصون المساواة التامة بين جميع المواطنين والمواطنات دون تمييزٍ بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الرأي أو الأصل الاجتماعي أو غير ذلك. كما يعتبر العدالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية امتدادًا طبيعيًّا لحقوق الإنسان الأساسية، ويؤكد الدور الريادي للمرأة الفلسطينية ولدور الشباب الفلسطيني الذي يبني المستقبل بعلمه وعمله، حاملًا لهويته الوطنية وروايته التاريخية، وللطفلة والطفل الفلسطيني راسمين غدًا أفضل.
إنّ هذا الدستور المؤقت ليس خاتمة الطريق، بل بدايتها، هو الوثيقة التي تنقل فلسطين لطريق صناعة المستقبل بالتحرر من الاحتلال نحو الاستقلال والسيادة، ومن الانقسام إلى الوحدة، هو مرآة لهوية فلسطين التي لم تنكسر رغم الجراح، وإعلان لإرادة شعبها التي لا تلين، ورسالة إلى العالم بأن فلسطين رغم الظلم تكتب نفسها من جديد، وتبني دولتها على قيم تؤكد مساواة الإنسان الفلسطيني واحترامه كنظرائه في العالم.
وإلى حين انجاز الاستقلال الوطني الكامل وممارسة الحقوق غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ومرجعيته التمثيلية في جميع أماكن تواجده، وتستمر المنظمة بالقيام بواجباتها النضالية وفقاً للميثاق الوطني.
فليكن هذا الدستور المؤقت عهدنا الجماعي، ووصيتنا إلى الأجيال على طريق الاستقلال أن فلسطين دولة الإنسان، دولة الديمقراطية، دولة الحق والقانون، دولة العدل، دولة الحرية لا الاحتلال.
وليكن إعلاننا أمام أنفسنا والعالم أنَّ دولة فلسطين ستظل تحمل اسمها بعاصمتها القدس، دولة محبة للسلام وتسعى إلى شراكات وتعاون دولي منفتح يحافظ على هويتها.
إنَّ هذا الدستور المؤقت قد استأنس في مبادئه ومواده إلى المبادرات الدستورية السابقة، وتجربة القانون الأساسي، واستند كذلك إلى الحملات التوعوية التي قادها المجتمع المدني ومؤسسات التعليم بمختلف مستوياتها. هو دستور مؤسس للدستور الدائم، جامع لا مفرق، يفتح الطريق نحو دولة حرة ذات سيادة كاملة، ديمقراطية وتعددية لجميع مواطنيها.